عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
47
معارج التفكر ودقائق التدبر
مخلوق في الوجود ، فمن آثار صفاته خلق كلّ ما سواه جلّ جلاله . وأنت أيّها المدعوّ للقراءة واحد ممّا خلق ، واقرأ مستعينا باللّه الذي يمدّ بعطاءات ربوبيته . وظاهر أنّ التوجيه للقراءة إنما هو توجيه لتحصيل المعارف والعلوم النافعة الدّينيّة والدّنيويّة ، الّتي تعتبر القراءة والكتابة من كبريات أسباب هذا التّحصيل ، ولا شكّ أنّ المعارف الدينيّة مطلوبة بالدّرجة الأولى ، فهي المطلوب الأوّل من العباد . * * * قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) . العلق : الدّم الغليظ ، أو الجامد . وهو اسم جنس ، والقطعة منه علقة . والعلقة طور من أطوار الجنين ، وهي قطعة الدّم الّتي يتكوّن الجنين منها . بعد بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ خلق كلّ مخلوق في الوجود ، وهو ما جاء في الآية الأولى من السورة ، جاءت هذه الآية لتوجّه نظر الإنسان المطالب بأن يقرأ باسم ربّه الّذي خلق إلى طور من أطوار خلقه ، وهو طور العلقة الّتي يكون عليها وهو في رحم أمّه . وممارس تدبّر كتاب اللّه يلاحظ أنّ أسلوب القرآن قائم على توزيع عناصر موضوع واحد في سور متعدّدة ، فإذا جمعت هذه العناصر تكامل منها الموضوع الكلّيّ المراد بيانه ، وهذا الأسلوب مع التكامل الدقيق هو من عناصر إعجاز القرآن . ومن فوائد هذا التوزيع التركيز على العنصر المختار في البيان الذي يساق فيه ، مع التذكير بأصل الموضوع الكلّيّ الموزّع ، والتخلّص من ركاكة التكرير ، وإبعاد المتدبّر عن الملل والسّأم فيما لو جمعت له كلّ العناصر حول موضوع واحد في نصّ واحد . وبتتبّع النّصوص القرآنيّة حول مراحل خلق الإنسان وجدت أنّها تسعة